ابن أبي الحديد

21

شرح نهج البلاغة

لم يحام عنه ولا كذب الشهود عليه وكابرهم ، بل عزله مختارا غير مضطر ، وكل هذا لم يجر في أمراء عثمان ، وقد بينا كيف كان عزل الوليد وإقامة الحد عليه . فأما أبو موسى فإن أمير المؤمنين عليه السلام لم يوله الحكم مختارا ، لكنه غلب على رأيه وقهر على أمره ، ولا رأى لمقهور . فأما قوله : إن ولاية الأقارب كولاية الأباعد ، ( 1 ) بل الأقارب أولى من ، حيث كان التمكن من عزلهم أشد . وذكر تولية أمير المؤمنين عليه السلام ( 2 ) أولاد العباس رحمه الله تعالى وغيرهم - فليس بشئ ، لان عثمان لم ينقم عليه تولية الأقارب من حيث كانوا أقارب ، بل من حيث كانوا أهل بيت الظنة والتهمة ، ولهذا حذره عمر وأشعر بأنه يحملهم على رقاب الناس . وأمير المؤمنين عليه السلام لم يول من أقاربه متهما ولا ظنينا ، وحين أحس من ابن العباس ببعض الريبة لم يمهله ولا احتمله ، وكاتبه بما هو شائع ظاهر ، ولو لم يجب على عثمان أن يعدل عن ولاية أقاربه إلا من حيث جعل عمر ذلك سبب عدوله عن النص عليه ، وشرط عليه يوم الشورى ألا يحمل أقاربه على رقاب الناس ، ولا يؤثرهم لمكان القرابة بما لا يؤثر به غيرهم - لكان صارفا قويا ، فضلا عن أن ينضاف إلى ذلك ما انضاف من خصالهم الذميمة وطرائقهم القبيحة . فأما سعيد بن أبي العاص ، فإنه قال في الكوفة : إنما السواد بستان لقريش ، تأخذ منه ما شاءت وتترك ، حتى قالوا له : أتجعل ما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ! ونابذوه ، وأفضى الامر إلى تسييره من سير عن الكوفة ، والقصة مشهورة ، ثم انتهى الامر إلى منع أهل الكوفة سعيدا من دخولها ، وتكلموا فيه وفي عثمان كلاما ظاهرا ، حتى

--> ( 1 - 1 ) كذا في الأصول . وفى الشافي : ( بل الأباعد أولى أن يقدم الأقارب عليهم ) . ( 2 - 2 ) الشافي : ( عبد الله وعبيد الله وقثما بنى العباس وغيرهم ) .